العمر : 26 سجّل في : 01 يناير 2007 عدد المساهمات : 849 Localisation : مصر
موضوع: بين حقهم ورفض البعض...زواج ذوي الاحتياجات الخاصة الأربعاء مارس 07, 2007 2:14 am
تحقيق/ أميرة الغندور
قد يصاب الإنسان بإعاقة دائمة تفقده القدرة على السير أو الكلام أو السمع أو البصر ويكون من الصعب عليه أن يتقبل هذه الإعاقة التي ستلازمه مدى الحياة .
وما بين السهل والصعب يولد المستحيل، استحالة أن تكون الإعاقة شهادة الوفاة والاستسلام فكم إعاقة كانت عنواناً لنجاحات فاقت الخيال،تحدى المعاقون خلالها كل الصعاب بتصميم وأرادة وإصرار فنجحوا حيث فشل كثير من الأصحاء .
وهم حين يرفضون أن تكون الإعاقة نهاية أحلامهم وطموحاتهم يصنعون بداية حياة جديدة عنوانها الحب والمشاعر الإنسانية المقدسة التي تتحدى نظرة الشفقة والإحسان مؤكدين حقهم في العيش من دون خدش لكرامتهم أو الانتقاص من قدراتهم.
"الدار" كانت مع المعاقين ،حاورتهم واستمعت إليهم وتعرفت على قصص زواجهم وكيف خفقت قلوبهم بالحب وتحدوا معارضة الأهل والأقارب وكيف صنعوا أسر سعيدة تنبض بالحب والسعادة.
سوزان شاهين 34 عاما بدأت حديثها بتنهيدة طويلة أظهرت مدى البؤس والمعاناة التي واجهتها في طفولتها بعد أن كانت كباقي الأطفال تمشي وتمرح وتلعب باغتها القدر بإعاقة دائمة افقدتها القدرة على الحركة .
قالت :كنت ابلغ من العمر عامين ونصف العام حين أًصبت بارتفاع شديد في درجة الحرارة نقلت على إثره إلى المشفى حيث أعطاني الطبيب المختص حقنتين في آنٍ واحد أدتا إلى فقداني للإحساس بقدمي وأصبت بالشلل.
طفولة بائسة
وأضافت والدموع تترقرق في عينيها: لم أعش كباقي الأطفال ولم أتمتع بطفولتي فقد حرمت نعمة المشي على قدميّ ولا أذكر بأنني يوماً لعبت أو فرحت بلعبة جديدة، حياتي كانت مقصورة على المنزل الذي لم اخرج منه مدة طويلة، كان الجميع خلالها يشعرني بأنني غير طبيعية ولا أستطيع الاعتماد على ذاتي، لكن بقوة إرادتي أثبت العكس وتحملت بعد موت والدتي كل أعباء البيت واهتممت بابي واخوتي لكنني واصلت التفكير في التعليم وقررت الدخول إلى جمعية المعاقين حركياً وهناك تعلمت وحصلت على الشهادة الإعدادية والتحقت بأحد النوادي الرياضية لألعاب القوى وبدأت أفكر بالعمل وبمساعدة من الرئيس ياسر عرفات عملت كاتبة في عيادة المعاقين حركياً، وهناك بدأت حكايتي مع الحب والأمل وتعرفت على زوجي ناصر زيارة .
ويروي الزوج ناصر زيارة 38 عاماً والموظف بأحد أجهزة الشرطة قصة الحب الذي جمعه مع سوزان قائلاً: كنت انساناً طبيعياً مفعم بالأمل والحيوية إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم قبل خمسة عشر عاماً حين أُصابتني رصاصة في أسفل ظهري خلال خلاف عائلي بين أسرتنا وأسرة أخرى بسبب شجار بين طفلين بعدها فقدت الإحساس بساقي ولم اعد أستطيع الحركة.
وتابع : في ذلك اليوم أظلمت الدنيا في عينيّ وشعرت بالإحباط يتغلغل في كياني ويفقدني القدرة على التفكير فقررت عدم الخروج من المنزل خوفاً من مواجهة الناس ونظرات الشفقة في عيونهم وسماع عبارات "يا خسارة على شبابه، أو راح في رصاصة" فلم أكن أطيق سماع التعليقات القاسية.
عريس مرفوض
ويروي ناصر: بعد شهور من الاصابة بدأت أعتاد على حياتي الجديدة وأتعايش مع ما كتبه القدر لي فبدأت أذهب إلى جمعية المعاقين حركياً لتلقي العلاج الطبيعي وهناك التقيت مع سوزان التي لم اكن اعرفها.
تواصلت زياراتي للجمعية وواصلت استراق النظر اليها وهي تعمل في الجمعية فشدت انتباهي اكثر وبدأ قلبي يخفق بحبها وقررت أن أصارحها برغبتي في الارتباط بها وكان ذلك عام ثمانية وتسعين.
وقال بفرح :عندما بادلتني نفس المشاعر قررنا أن نعلم القائمين على الجمعية ، فأخبرنا الإدارة حتى لا نعطي الفرصة للكلام والشائعات.
وتكمل سوزان: تقدم ناصر لخطبتي ولكن كانت المفاجأة عندما رفض والدي الامر بحجة أننا لن نستطيع رعاية أنفسنا بسبب أعاقتنا لكن ناصر لم يستسلم فقرر مواصلة طلب يدي عدة مرات رغم الرفض المتكرر.
وتضيف مبتسمة: بالأمس سهرنا نحصي عدد المرات التي تقدم فيها لخطبتي ووجدنا أنها حوالي سبع مرات وفي كل مرة يكون الرفض بحجة جديدة وللأسف لم يراع والدي أننا نحتاج إلى الزواج بسبب أعاقتنا أكثر من أي زوجين آخرين.
ويقول ناصر وقوة الذكرى تبدو جلية في عينيه: والدي أيضاً لم يكن موافقاً على زواجي من سوزان وكنت أذهب لخطبتها وحدي الأمر الذي أضعف موقفي أمام أهلها.
واستطرد: على الرغم من موافقة والد سوزان في نهاية المطاف على الزواج إلا أن والدي أصر على موقفه ولم يبارك زواجنا ولم يحضر زفافنا أو حتى يرى زوجتي حتى الآن وكان يطلب مني أن آخذ بثأري ممن أطلق النار عليّ بدلاً من الزواج، وأخيراً تزوجنا في ديسمبر عام 2002 وأقامت لنا الجمعية حفل زفاف كان غالبية المدعوين فيه من المعاقين.
قسوة المجتمع
ويرى الزوجان أن مشكلتهما ليست في صعوبة الحياة ولكن في قسوة الآخرين الذين غالباً ما يقابلوهما بالشفقة أو السخرية أو الفضول.
وتقول سوزان: نشعر بإهمال المسؤولين في السلطة الوطنية تجاهنا فهم لا يراعون ظروفنا حين يقومون بتخطيط المدن أو الشوارع والمراكز الحكومية فلا يوجد لنا مداخل خاصة أو طرق تتناسب مع اعاقتنا الأمر الذي يتطلب منا تكرار طلب المساعدة من الآخرين عند دخولنا إحدى المؤسسات التي تحتاج إلى صعود السلالم الأمر الذي يؤلمنا كثيراً.
ويتذكر ناصر أول مرة ذهب برفقة زوجته سوزان إلى السوق قائلاً كانت سوزان تشعر بخجل شديد ورفضت مرافقتي ولكنني شجعتها وذهبنا معاً، وأذكر يومها أن كل العيون كانت تنظر إلينا وشعرت للحظة بالندم ولكني أخذت أحرك كرسيّ إلى الأمام بقوة غير آبه بنظرات الفضوليين .
ويتساءل ناصر: متى سنتخلص من هذه النظرة السلبية ولماذا يخجل أصدقاؤنا ومعارفنا حين يقابلونا صدفة ؟
فضول الناس وتقول سوزان: ولأن السوق ضرورة أسبوعية لابد منها اعتدت على الذهاب ولم أعد أنتبه لنظرات الناس وأذكر مرة أن إحدى المتسوقات سالتني: ما الذي يخرجك وأنت على هذه الحالة! فشعرت بضيق شديد من كلامها وأجبتها: "الذي أخرجك أخرجني".
وبنبرة أكثر حدة تابعت سوزان: فضول الناس لم ينته عند هذا الحد، فبعد زواجي ازداد الفضول، فالكل يريد أن يعرف إن كنت أطبخ ام لا ؟ وكيف وماذا أطبخ؟ وهل أكلي لذيذ وكيف أغسل؟ وهل نسهر معاً وهل نتشاجر؟ إنه أمرٌ قاسٍ أن يظن الناس أننا لسنا مثلهم؟
حياة طبيعية
وعن طبيعة حياتهما تقول سوزان: أطبخ وأخبز وأحضر الشاي والقهوة ونشاهد التلفاز وبصراحة لا أتخيل حياتي بدون ناصر .
والآن أسعى لاستكمال دراستي وأمنيتي الحصول على الثانوية العامة ومن ثم الالتحاق بالجامعة لدراسة السكرتارية الطبية.
وهنا يتدخل ناصر في الحديث مبتسماً: بالأمس طبخت لي فاصوليا، أنها تعد طعاماً لذيذاً، ولا تجعلني أحتاج أي شيء وأنا أساعدها في أمور البيت فنحن زوجان متعاونان.
مشكلة المواصلات
ويتمنى ناصر أن يقود سيارة حتى يوفر الاحراج الذي يجدانه حين يريدان صعود إحدى السيارات موضحاً أن بعض السائقين يعتقدون أنه متسول أو محتاج فلا يهتمون به.
وتؤكد سوزان أنها أحياناً تنتظر سيارة وتكون بجوارها فتاة أخرى فيقف السائق للفتاة ولا يقف لها، وتحتار في معرفة السبب الذي يجعل السائق يلوح بيديه معلناً أسفه حتى ولو كانت سيارته فارغة هل يعتقد أنني سأطلب مساعدته؟ أم أنني سأحرجه أم يخشى ألا أدفع له؟
أحلام مع وقف التنفيذ
وعن طموح سوزان الرياضي بعد فوزها بذهبية وفضية بألعاب القوى في الأردن عام تسعة وتسعين في لعبتي رمي الجلة والرمح، قالت: إنها تشعر بالحزن لأنها لم تتابع التدريب لعدم وجود مدربين متخصصين لمن هم في حالتها ولم تجد ناديا متخصصا يهتم بطموحها الرياضي
وعن أمنياتهما تمنى ناصر وسوزان أن ينجبا طفلا يملأ حياتهما ويخرجهما من حالة الملل التي يعانيان منها في بعض الأحيان وأن يزداد وعي المجتمع عند التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة وأن يكون لوسائل الإعلام والمناهج التعليمية دور في دمجهم في المؤسسات الحكومية والأماكن التي يرتادها عامة الناس دون تخصيص جمعيات ومؤسسات تزيد من ابتعادهم عن المجتمع وأن يشفي الله جميع مرضاه.
وكما جمع الكرسي المتحرك بين قلبّي سوزان وناصر جمع العقل والمنطق وفاء وأمجد اللذين وجدا لغة مشتركة يتحدثان بها بعد ان فقدا القدرة على النطق.
بهمهمة واشارات لم نفهمها بدأت المترجمة في جمعية الصم والبكم في مدينة غزة ترجمة أسئلتنا لوفاء دهمان 23 عاماً ،التي تعمل في جمعية الصم والبكم ومتزوجة من أمجد المدهون الذي يشاركها إعاقة السمع والكلام ويعمل رساماً في إحدى المؤسسات التابعة للصم والبكم .
في بادئ الأمر أحسسنا بالشفقة تجاه الصم ومع تواصل الحوار غير المباشر مع وفاء انتابنا شعور بالفخر لوجود مؤسسات تُعلم وتثقف الصم في فلسطين بعد أن كان الأردن البلد الوحيد الذي يجمع الصم من العرب ويدرسهم في مدرسة داخلية في مدينة السلْط.
مدرسة السلط
تقول وفاء على لسان المترجمة منى: قبل خمسة عشر عاماً رأيت امجد لأول مرة في مدرسة السلط عندما كنت أدرس وأتعلم الاشارات فيها لأنها المدرسة الوحيدة في الوطن العربي في ذلك الوقت. وكان أمجد زميلاً لي في نفس المدرسة وأكملت المرحلة الابتدائية ولم أستطع إكمال دراستي لارتفاع الرسوم وإحساسي بالغربة عن وطني ورجعت إلى غزة ثم التحقت بجمعية الصم والبكم، في إحدى المناسبات الخاصة بعائلتي التقيت صدفة بأمجد الذي كانت تربط أسرتنا بأسرته علاقة نسب لم أكن أعلمها فتحدثت معه وأعجبت به.
عروس غير مرغوب فيها
يقول أمجد: كانت أمنيتي أن أرتبط بفتاة صماء مثلي حتى يكون هناك تفاهم بيننا ولكن كان لوالدتي واخواني رأي مخالف فكانت والدتي تريد زوجة لا تعاني ما أعانيه حتى تتكلم وتتفاهم معها، وعند لقائي مع وفاء في إحدى المناسبات العائلية أعجبت بها والتقت مشاعرنا وقررنا الارتباط.
وعن رأي وفاء في حق معاق بالعمل والمؤسسات الحكومية أجابت نحن مثل الناس جميعاً نفهم وندرك والفرق بيننا وبين الأصحاء أننا لا نسمع ولا نتكلم.
فمن حقنا أن نندمج في المجتمع وأن نعمل وذلك لوجود قانون 5% وأقره المجلس التشريعي ولكن لم يطبق حتى الآن فهو حبر على ورق وأكملت وفاء نحن نأخذ العديد من الدورات التي ترفع من مستوانا الثقافي والتعليمي مثل (دورة اسعاف أولي – حق المعاق في الانتخابات – حقوق الأصم – كيفية التغذية السليمة).
أمنيات ولكن!
تقول وفاء: أتمنى اكمال دراستي وأن يتوافر المال الكافي حتى أستطيع شراء السماعات التي تساعدني على السمع قليلاً ويا حبذا لو يتعلم الجميع لغة الاشاراة حتى يصبح هناك تفاهم بيننا وبين كافة شرائح المجتمع.
وكما جمع العقل والمنطق أمجد ووفاء جمع الحب والإعجاب ولاء وعبد الله.
بكلام مفهوم للجميع بدأ عبد الله الهبيل 32 عاماً ويعمل ملازماً أول في الشرطة كلامه بعبارة "أعجبت بها وأحببتها رغم كل شيء".
البداية مسلسل تلفزيوني
يقول عبد الله: أنا شاب مفعم بالأمل والحيوية، في إحدى المناسبات قبل 5 أعوام كنت أتابع فقرات التلفاز وإذا بمسلسل (لقمة العيش) بطولة ربيع شهاب يشدني لمتابعته وذلك لأن زوجته صماء وكان يتعامل معها بطريقة عادية جداً ويعيشان حياة سعيدة، وبصراحة أحسست بالشفقة نحو هذه الشريحة (الصم والبكم) وبعدها قررت الزواج بفتاة صماء، وبصراحة اعتبرني الجميع مجنونا، فأمي تقول أنت كل فتاة تتمناك وأخي يقول ماذا بك هل أصابك شيء في رأسك، ولكني ظللت مصمماً على رأيي وعندما رأيت ولاء صدفة تخرج من باب بيتها وكنت أعتقدها غير صماء وعندما عرفت ذلك زاد تصميمي وقررت الزواج بها.
عادات وتقاليد
ويضيف عبد الله: طلبت من أمي أن تذهب لخطبتها وكانت غير راضية عن الفكرة وعند رؤية ولاء وحوارها معها عن طريق الشفاه والاشارات أعجبت بها وباركت زواجنا وتزوجنا عام 1998.
واستطرد عبد الله: فضول الناس والتدخل فيما لا يعينهم ينغص علينا حياتنا.
السعادة اكتملت وتقول الزوجة ولاء زيادة 24 عاماً مساعدة مدرسة في جمعية الصم والبكم على لسان المترجمة: أنا أشعر بسعادة كبيرة مع عبد الله فهو كل شيء في حياتي وسعادتنا اكتملت عندما أنجبنا (محمد) ويبلغ من العمر الان ثلاثة أعوام ونصف العام و(جنة) البالغة خمسة شهور.
وتستطرد ولاء: ابني محمد كثيراً ما يساعدني، فعند سماعه الجرس يناديني وعند سماعه للهاتف يكلم والده ويخبرني ماذا يريد عن طريق الإشارات فهو ذكي جداً رغم صغر سنه إلا أنه يدرك أنني صماء ويساعدني وكان رأي ولاء زيادة مطابقا لوفاء دهمان في الدورات وحق المعاق في الاندماج في المؤسسات الحكومية، وتمنى عبد الله وولاء الشفاء العاجل لجميع المعاقين وأن يعامل المعاق معاملة السليم وأن يدمج في المجتمع جنباً إلى جنب مع الإنسان السليم.